مباراة المركز الثالث: الحلقة الخفية في استدامة الزخم الجماهيري والاقتصادي للبطولات الكبرى
مباراة تحديد المركزين الثالث والرابع تُثار حولها دائمًا نقاشات متباينة بين من يراها مباراة شكلية بلا قيمة تنافسية حقيقية، ومن يعتبرها عنصرًا مهمًا في المنظومة الشاملة لأي بطولة كبرى. وعند النظر إليها بنظرة شمولية أعمق، تتضح أبعاد متعددة تتجاوز المستطيل الأخضر، لتشمل الجوانب الجماهيرية، والاقتصادية، والإعلامية، وحتى اللوجستية والتنظيمية.
أولًا: البعد الجماهيري واستمرارية الزخم
في البطولات الكبرى، وخصوصًا عندما لا يكون البلد المضيف طرفًا في المباراة النهائية، قد يتراجع الحضور الجماهيري ويضعف الاهتمام العام في الأيام الأخيرة. هنا تلعب مباراة المركز الثالث دورًا مهمًا في الحفاظ على الزخم الجماهيري، إذ تمنح الجماهير مباراة تنافسية إضافية، وغالبًا ما تكون مفتوحة فنيًا وأقل تحفظًا من النهائي. هذا يسهم في إبقاء الجمهور متفاعلًا ومتحمسًا حتى اليوم الختامي، ويمنع ما يمكن تسميته بـ"الفراغ العاطفي" الذي قد يسبق النهائي.
ثانيًا: البعد الاقتصادي والاستثماري
اقتصاديًا، تشكل هذه المباراة فرصة إضافية لتحقيق عائدات مالية. بيع التذاكر، حقوق البث، الإعلانات، والرعايات المرتبطة بالمباراة تمثل مصادر دخل لا يُستهان بها. كما أن بقاء الجماهير لفترة أطول يعني إنفاقًا أكبر على الإقامة، النقل، المطاعم، والتسوق، وهو ما يعود بالنفع المباشر على اقتصاد المدينة أو الدولة المستضيفة. وفي بطولات مثل كأس العالم أو البطولات القارية، قد تكون هذه العوائد جزءًا من مبررات الجدوى الاقتصادية للبطولة ككل.
ثالثًا: تسيير الرحلات والبنية اللوجستية
من زاوية تنظيمية ولوجستية، تساعد مباراة المركز الثالث على توزيع حركة السفر والمغادرة بشكل أكثر توازنًا. فبدل مغادرة أعداد كبيرة من الجماهير والصحافة فور خروج منتخباتهم من نصف النهائي، تمنحهم هذه المباراة سببًا للبقاء، ما يقلل الضغط المفاجئ على المطارات ووسائل النقل. كما تتيح لشركات الطيران والفنادق تخطيطًا أفضل للجداول والأسعار، بدل الاعتماد على ذروة واحدة مرتبطة بالنهائي فقط.
رابعًا: بقاء الصحافة والإعلام وتغطية البطولة
إعلاميًا، تمثل المباراة مادة إضافية للتغطية والتحليل والقصص الصحفية. بقاء منتخبات كبيرة أو نجوم بارزين في مباراة تحديد المركز الثالث يعني استمرار اهتمام وسائل الإعلام العالمية، وبالتالي الحفاظ على مستوى التغطية حتى آخر يوم. هذا ينعكس إيجابًا على صورة البطولة وانتشارها الإعلامي، ويمنح الصحفيين مساحة أوسع لتقديم محتوى تحليلي، إنساني، وتقييمي شامل للبطولة.
خامسًا: البعد الرياضي والرمزي
رياضيًا، لا يمكن إغفال أن تحقيق المركز الثالث قد يحمل قيمة معنوية وتاريخية للمنتخبات، خصوصًا تلك التي لا تمتلك سجلًا حافلًا بالإنجازات. ففي كثير من الأحيان، يُخلَّد المركز الثالث في الذاكرة الجماعية للجماهير والاتحادات، وقد يؤثر على التصنيف الدولي، الدعم الحكومي، وحتى مسار جيل كامل من اللاعبين.
خلاصة
مباراة تحديد المركزين الثالث والرابع ليست مجرد مباراة إضافية يمكن الاستغناء عنها، بل هي حلقة مكملة في منظومة البطولة الشاملة. أهميتها تتجلى بشكل أوضح عندما لا يكون البلد المضيف حاضرًا في النهائي، حيث تساهم في الحفاظ على الزخم الجماهيري، تعظيم العوائد الاقتصادية، دعم التوازن اللوجستي، واستمرار التغطية الإعلامية. ومن هذا المنطلق، فإن تقييم جدواها يجب أن يتم من منظور شامل لا يقتصر على القيمة الفنية المباشرة، بل يشمل الأبعاد الاقتصادية، التنظيمية، والإعلامية التي تُسهم في نجاح البطولة ككل.

