-
الانضمام إلى فريقنا
info@saudisoccervoting.com -
إتصل بنا
comments@saudisoccervoting.com
News
السعودي طيرٌ حر… والكرة ليست حبارى
تردّد في الذاكرة عبارة: «السعودي طير حر والكرة عنده حبارى»، وهي عبارة نشأنا عليها، وتشرّبناها صغارًا بوصفها نشيد فخرٍ وانتماء، مرتبط بثقافة الصحراء والصيد والفروسية. غير أنّ المشكلة لا تكمن في الأغنية ذاتها، بل في إسقاط معناها على كرة القدم، وكأنّ اللعبة لا تحتاج سوى عقلية الصيد والمطاردة والانقضاض.
صيد الحبارى فعلٌ مختلف تمامًا عن لعب كرة القدم.
في الصيد، الفرد هو الأساس: مطاردة، تخفٍّ، هجوم خاطف، صقر ينقض، أو بندقية تُطلق. القرار فردي، والنجاح مرتبط بالجرأة والسرعة والغريزة. لا مجال للتخطيط الطويل، ولا قيمة تُذكر للتعاون المعقّد أو العمل الجماعي المنظّم. هي لحظة مواجهة بين صيّاد وفريسة، يحسمها التفوق اللحظي.
أمّا كرة القدم، فهي نقيض هذه العقلية تمامًا.
هي لعبة جماعية بامتياز، تقوم على الانضباط، وتراكم الجهد، وبناء الهجمة، والتوازن بين الدفاع والهجوم. تحتاج إلى وعي تكتيكي، وقراءة للمساحات، وقدرة على التضحية بالمتعة الفردية من أجل الفريق. المهارة هنا ليست في الانقضاض، بل في التمرير، والتمركز، والصبر، واللعب ضمن منظومة متكاملة.
عندما نُصرّ على التعامل مع كرة القدم بعقلية “الصيد”، فإننا نُفرغ اللعبة من جوهرها. نبحث عن اللاعب المنقذ، لا عن الفريق المتماسك. نحتفي باللقطة الفردية، ونتجاهل التنظيم. نغضب من التمرير الخلفي، ونطالب بالهجوم الأعمى، وكأن الهدف يُؤخذ بالقوة لا بالعقل.
الأغنية جميلة في سياقها الثقافي، وتراثية في معناها، وتعكس صورة الفارس الحر في الصحراء. لكنها لا تصلح كمرجعية ذهنية لفهم كرة القدم الحديثة. الكرة اليوم علم قبل أن تكون حماسة، ومنظومة قبل أن تكون شجاعة، وعمل جماعي قبل أن تكون استعراضًا فرديًا.
الخلط بين ثقافة الصيد وثقافة كرة القدم هو أحد أسباب الإحباط المتكرر. لأننا نطلب من لعبة جماعية أن تُدار بعقلية فردية، ومن منظومة تكتيكية أن تُحسم بغريزة الصقر. والنتيجة؟ أداء متذبذب، قرارات انفعالية، ومطالب جماهيرية لا تنسجم مع واقع اللعبة.
ليس في الأمر انتقاص من التراث، ولا من الأغنية، ولا من رمزية “الطير الحر”. لكن لكل مقامٍ مقال، ولكل ثقافة مجالها. الصيد له رجاله وقوانينه، وكرة القدم لها رجالها وعلمها. ومن أراد النجاح في المستطيل الأخضر، فعليه أن يخلع عباءة الصياد، ويرتدي عقلية اللاعب الجماعي.
خالد السلمي
منتخبنا بين النقد و الدفاع
الهجوم على المحللين الرياضيين لا يزيد من منسوب الوطنية، كما أنه لا ينتقص من قيمة المحللين، خاصة عندما يلتزمون الحياد والمهنية. فالمحلل في الأساس خبير، ودوره لا يقتصر على المدح أو التبرير، بل يتمثل في تسليط الضوء على الإيجابيات والسلبيات، وشرح نقاط القوة والضعف، وقراءة الجوانب التكتيكية وأسلوب اللعب بموضوعية ووعي فني.
في البطولة العربية، التي تجرب مراحلها النهائية حاليًا في قطر، لم يَرُق للبعض النقد الموجَّه لمنتخبنا الوطني. فاندفعت بعض الجماهير المتعصبة، بدافع الانتماء للأندية أو العاطفة الزائدة، لمهاجمة المحللين، مستغلين منصّة «إكس» التي أصبحت ساحة مفتوحة لإبداء الرأي، لكنها في الوقت نفسه تحولت عند البعض إلى منبر للتجريح بدل الحوار.
لا شك أن وجود منصّة تتيح للإنسان التعبير عن رأيه أمر إيجابي ومطلوب، لكن حرية الرأي لا تعني غياب المسؤولية. فمن أبسط معايير الإعلام والطرح الصحفي الالتزام بالاحترام، والتمييز بين النقد والتحامل، وبين الاختلاف في الرأي والتشكيك في النوايا.
منتخبنا الوطني اليوم بحاجة حقيقية إلى المراجعة والتقييم، خصوصًا أن طموحاتنا لم تعد تقتصر على مجرد المشاركة أو الظهور المشرف. فمع ارتفاع عدد المنتخبات، وتوزيع الفرق القوية على المجموعات، أصبحت فرص تجاوز الأدوار التمهيدية والوصول إلى مراحل متقدمة أكبر، وهو ما يفرض علينا رفع سقف التوقعات، والعمل بواقعية لا بعاطفة.
وإذا كان لاعبان مثل سالم الدوسري ومحمد كنو قد كان لهما تأثير واضح في التأهل، فإن الطموح في البطولات الكبرى، وعلى رأسها كأس العالم، يتطلب أن يكون جميع عناصر الفريق مؤثرين، وأن يعتمد المنتخب على منظومة متكاملة لا على مجهودات فردية فقط.
في النهاية، نحن لا نحتاج إلى إسكات الأصوات الناقدة، بل إلى تعزيز النقد الهادف والبنّاء؛ النقد الذي يُشخّص الخلل، ويقترح الحلول، ويساهم في التطوير. ف المنتخبات تتقدم بالتحليل الواعي، لا بالمجاملات ولا بالهجوم غير المبرر.
لسعودية × الأردن… نصف نهائي يختبر الوعي قبل القد...
تتجه أنظار الجماهير العربية غدًا إلى العاصمة القطرية، حيث يلتقي المنتخبان السعودي والأردني في نصف نهائي البطولة العربية، البطولة التي تحولت إلى ظاهرة جماهيرية غير مسبوقة، وجسدت حالة من التلاحم العربي، بعدما فاقت أعداد الحضور في بعض المباريات الطاقة الاستيعابية للملاعب، في مشهد أعاد للكرة العربية شغفها وحرارتها.
هذه البطولة لم تكن عادية في مجرياتها، فقد شهدت حضورًا قويًا لمنتخبات كسرت التوقعات، وأطاحت بمنتخبات ذات تاريخ وأسماء ثقيلة، ما أعقب ذلك من سخط جماهيري ونقد لاذع على مختلف المستويات الإعلامية والصحفية، في دلالة واضحة على حجم التحول الذي تشهده كرة القدم العربية، حيث لم يعد الاسم وحده كافيًا لعبور المراحل.
المنتخب الأردني كان أحد أبرز ملامح هذا التحول. لم يصنع مفاجأة بالمعنى التقليدي، بقدر ما أكد أحقيته، كونه أول منتخب عربي يتأهل إلى كأس العالم 2026، في انعكاس مباشر لاستقرار فني ومنهج واضح. أداء متوازن، مهارات فردية حاضرة، روح قتالية عالية، ونفس طويل في البحث عن الإنجاز. ويُضاف إلى ذلك حضور جماهيري لافت، بهتاف يحمل روح التراث وعبق التاريخ، ويجسد ملامح “النشامى” بكل ما تحمله الكلمة من معنى، ليكون الجمهور شريكًا حقيقيًا في المشهد.
في المقابل، يدخل المنتخب السعودي هذه المواجهة أمام خصم عنيد، مؤسس ومؤهل ومجهز فنيًا وبدنيًا وذهنيًا، يلعب بلا ضغوط خانقة، وبروح لا تعرف الانكسار، وتسانده جماهير واعية تعرف متى تهتف، وكيف تهتف، ومتى تترك المساحة للاعبين.
الأخضر السعودي، على الجانب الآخر، يخوض اللقاء تحت ضغط التوقعات والاسم والتاريخ، وربما دون إدراك كامل بأن الفوارق الفنية التي كانت تفصله عن منافسيه تقلصت كثيرًا، بل تلاشت في بعض الجوانب. فالكرة العربية اليوم لا تعترف إلا بالعطاء داخل الملعب، وهو ما أثبتته نتائج هذه البطولة، حيث لم تفق مصر بعد من صدمة الخروج، بينما بدت الجزائر وكأنها فقدت بوصلتها.
انتصارات المنتخب السعودي السابقة في البطولة جاءت في جزء كبير منها عبر مجهودات فردية حاسمة، قادها نجوم مثل سالم الدوسري ومحمد كنو، وهي مجهودات غالبًا ما تصنع الفارق أمام الفرق الأقل مستوى. إلا أن مباراة الغد تختلف كليًا؛ فالفارق لن يصنعه لاعب أو لاعبان، بل منظومة كاملة يجب أن تكون في أعلى درجات الجاهزية. مباراة بهذا الحجم تتطلب فريقًا يلعب كوحدة واحدة، وانضباطًا تكتيكيًا عاليًا، وقدرة على قراءة الخصم والتعامل مع تفاصيله الدقيقة.
الأسلوب الفني سيكون كلمة السر، فالسعودية تواجه خصمًا عنيدًا، وإذا ما تم تجاوزه، فإن القادم سيكون أشد عنادًا وقسوة. لذلك، فإن قراءة الخصم، وإدارة المباراة ذهنيًا قبل فنيًا، واستيعاب متغيرات اللعب، هي عوامل لا تقل أهمية عن المهارة واللياقة.
غدًا، ليست مجرد مواجهة في نصف نهائي، بل اختبار حقيقي لوعي المنتخب السعودي، وقدرته على الانتقال من الاعتماد على الحلول الفردية إلى قوة الجماعة، ومن ثقل الضغوط إلى عقلية المنافس الذي يعرف أن الطريق إلى الذهب لا يُعبد بالأسماء، بل بالأداء، والانضباط، والإيمان بالمشروع.

